فخر الدين الرازي
144
تفسير الرازي
والجواب من وجوه : الأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر ، قال تعالى : * ( والكافرون هم الظالمون ) * ( البقرة : 254 ) ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا : * ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) * وثانيها : إن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله ، قال تعالى : * ( من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ) * ( البقرة : 255 ) وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة إلا بعد الاذن ، وإذا حصل الاذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله : * ( وما للظالمين من أنصار ) * يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال : * ( ألا له الحكم ) * وقال : * ( والأمر يومئذ لله ) * ( الانفطار : 19 ) لا يقال : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه الحجة . اما الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الاطلاق . الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم . المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، قالوا : لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له ، والآية دالة على أنه لا ناصر له البتة . والجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة . النوع الثالث : من دعواتهم . * ( رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فََامَنَّا رَبَّنَا فاَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الاَْبْرَارِ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : في المنادى قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ادع إلى سبيل ربك ) * ( النحل : 125 ) * ( وداعياً إلى الله باذنه ) * ( الأحزاب : 46 ) * ( أدعو إلى الله ) * ( يوسف : 108 ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : * ( إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ) * ( الجن : 1 - 2 ) قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا